أخر الأخبار  


نواة الأزمة ، و رياح الإعاقة

سعد صاحب الوائلي
القلق الذي ساور المرجعية بسبب تأخر تشكيل الحكومة بعد مرور اكثر من شهر على انتهاء الانتخابات ا لتشريعية في البلاد له ما يبرره. وذات القلق يساور جميع العراقيين بمختلف مشاربهم وميولهم.
وبطبيعة الحال يجد كل من يرصد المشهد السياسي الراهن في البلاد ان دفة الحراك السياسي جامدة بفعل اصطدامها بعوامل اعاقة عدة، تشكل بمجملها ابعاد الازمة الراهنة.
وبنظرة تفكيك وبتسليط ضوء اكثر لقلب الازمة تتضح ملامح هذا المصدّ الكبير او نواة الازمة المتفجرة ان صح التعبير. وبعبارة فإن اطرافاً سياسية بعينها، او طرفاً سياسياً بعينه يجهد بكل ما أوتي من قوة ومقدرة وامكانات متاحة ان يضع العصي في عجلة استثمار نتائج الانتخابات ( التي وصفها العالم اجمع بالناجحة)، وتمكين خيارات الاعاقة والتأخير المتعمد من اجل تأخير موعد تشكيل الحكومة إذا لم تكن رياحها تنفخ في اشرعة سفن هذا الطرف.
ومنذ الوهلة التي اُُعلنت فيها النتائج النهائية للانتخابات، وجاءت الرياح بما لا تشتهيه سفن ذلك الفريق السياسي، حتى انطلقت مدافع التشكيك بنزاهة العملية الانتخابية، اعقبها تـَزمّـت ذلك الطرف المعني خلال جولات المفاوضات مع الفرقاء الفائزين باشتراطات بعيدة عن روح الديمقراطية تفوح منها روائح الشخصنة والذاتوية وايصالها الى مسالك مسدودة. وفي خضم هذه العرقلة الواضحة ايضا كثر اللغط وجرى اعتماد تأجيج أزمة اعادة العد والفرز وما تنطوي عليه من تأخير قد يطول اشهر ربما، حتى وصلنا الى مربع اعلان الهيئة الانتخابية القضائية موافقتها على استبعاد كوكبة جديدة من مرشحي كيانات سياسية مِمّنْ رُشحوا لعضوية مجلس النواب المقبل واهمال اصواتهم التي حصلوا عليها.
والسؤال الاكثر إلحاحاً لدى المواطنين، تـُرى لماذا كل هذا التسويف وهذه المماطلة وهذا التأخير المتعمد، أهو حقاً استحقاقات مخاض مفاوضات وتحالفات ما قبل تشكيل الحكومة، أم انه الاصرار على ابقاء الحال على ما هو عليه، واستمرار إبقاء مراكز القرار الى حين ٍ إشعار ٍ آخر قد لا يأتي قريباً؛ أم هي نوايا التصلب والتشبث حتى يُحاط بالعملية السياسية برمتها وتغدو أثراً بعد عين وضياع كل ما أنجز وتبديد كل كم الدماء التي قدمت على محراب هذا الانجاز المتمثل بالوليد الجديد في البلاد ( الديمقراطية).
إن إتيان المواثيق السياسية من قبل بعض الكيانات والشخوص السياسية إبان انطلاق عمليتنا السياسية الراهنة يبدو انه كان من اجل الاستمكان لغاية التمكّن، ومن بعدها فلتذهب تلك المواثيق والدساتير السياسية الى الجحيم وفق رؤية أولئك المتلفعين بعباءات الشخصنة والمعتقدين بمسلكيات الاستفراد كوسائل لبلوغ غاياتهم التي هي ابعد ما تكون مِن أن تمثل غايات الشعب.
وبالمحصلة فحالة الاحباط تلف القطاعات الشعبية برمتها بضمنها الشارع السياسي لمروجي التشبث وابقاء الحال اطول مدة ممكنة.
وباختصار فإن المفترض أن يكون موعد تشكيل الحكومة منوطاً بالتوقيتات الدستورية القانونية المعتمدة في الاعراف الديمقراطية ووفق خصوصية الدستور العراقي، وأن أية مماطلة واعاقة متعمدة للمصادقة على نتائج الانتخابات تعني تأخيراً للخطوة التالية ( طلب انعقاد اول جلسة للبرلمان، تسمية رئيس الجمهورية، تكليف رئيس للحكومة)، وبالتالي ستتمطى فترة الفراغ السياسي والدستوري، وبالتالي امتداد عمر حكومة تصريف الاعمال الحالية.
وحقيقة الامر أن الحديث عن أن الحكومة الحالية هي حكومة كاملة الصلاحيات وان ليس هناك فراغ سياسي او دستوري انما هو حديث خرافة، بدليل ان الطرائق الدستورية تقضي -وطبقاً لبنود دستورنا العراقي الراهن- بإن حكومتنا الحالية هي حكومة تمشية أمور وتصريف أعمال؛ فبانحلال البرلمان عقب الجلسة الرسمية الاخيرة له تنحل الحكومة بالتبعية، وتستحيل الى حكومة تصريف اعمال، وبغير هذه الصورة فإن الحكومة ستكون بلا رقابة برلمانية، ما يعني أنها ستعّرف على انها حكومة شمولية، او حتى (مستبدة) وفق توصيف القواميس السياسية لانعدام البرلمان الرقابي الذي يـَرْقـُبُ قراراتها واجراءاتها التنفيذية وفق نظام الحكم البرلماني المعمول به في البلاد ووفق تصريح الدستور بالنصوص الواضحة على ذلك.
ولعل المخرج من كل هذه الاشكاليات التي قد تعيد الامور برمتها الى مربعها الدموي الاول هو تحكيم العقلانية السياسية وامضاء المواثيق السياسية التي ابرمها كل السياسيين الذين عاشوا ارهاصات الحالة السياسية ما بعد سقوط الصنم.
 

كافة الحقوق محفوظة لمؤسسة الثقافة والإعلام في منظمة بدر ©2007 Developed by : internetbadr@yahoo.com