أخر الأخبار

 

الآبــاء والأبنـاء وتـوارث المهنـة


سحر اللامي
كثيرا ما يتأثر الابناء بآبائهم وهذا امر وارد بحكم عامل القربى البيولوجية والاجتماعية وظروف العيش المشترك والبيئة الواحدة وتطابق الخلفيات التربوية والاخلاقية والتوحد في الموروث العائلي ما يدفع باتجاه تأسيس مشتركات ناجزة في الرؤية والسلوك ومن اوجه ذلك نزوع العديد من الابناء الى اقتفاء اثار الاباء في اختيار المهنة او الحرفة بل وقد يمتد ذلك الى الاختصاص الدقيق في تلك المهنة فلا يكتفي الابن بالسعي ليكون طبيبا كأبيه وانما يحرص للتخصص في ذات الاختصاص الذي اختصه الاب.. فما هي العوامل التي تدفع بهذا التوجه؟ لماذا تبدو اكثر فاعلية في المجتمعات الشرقية؟ يعتقد البعض ان هذا المنحى انما يتأتى من التأثر العاطفي بالاب والرغبة في تقليده باعتباره مثلا اعلى او المثل الاعلى الاقرب والاول في حياة الابناء. كما ان العلاقة اللصيقة بين الاب وابنائه توفر فرصا سانحة لتحقيق تراكم معرفي وعملي حول دقائق وتفاصيل مهنة الاب وهذا قد يغري الابناء لاستثماره في اختزال حلقات ومراحل عديدة يتوجب عليهم اجتيازها اذا ما رغبوا في اختيار مهنة اخرى. وقد يفعل العامل الاعتباري فعله في الوفاء للمهنة العائلية المتوارثة خاصة اذا ما ترادف مع ترغيب وتشجيع وربما اجبار لتوارث مهنة الاب خاصة اذا كانت مهنة الاب من المهن النادرة او الرفيعة او المربحة.. وقد يتم اختيار او تقبل مهنة الاب نابعا من تغليب مفاهيم ومعايير واقعية كعجز او غياب الاب وتركه لمستلزمات ومتطلبات متكاملة لمهنة معينة لا يتطلب الاستمرار بها سوى اليد العاملة او الجهد الفردي الذي قد يتصدى له الابناء في تداول سلس لادارة محترف او مؤسسة صناعية او تجارية راسخة.. ولا شك ان بعض المهن انما تقتضي مواهب او ملكات قد لا تتوفر لدى الابناء تؤول الى الكساد والاضمحلال الا انها قد تتطور وتتوسع وتزدهر اذا ما تصدى لها ابناء موهوبون يتسمون بالولع والمحبة الحقيقية لمهنة الاباء والاجداد.. وقد تلعب طبيعة العلاقات الاجتماعية والعائلية السائدة في بلد ما على خلفية العقائد الدينية والتقاليد الموروثة ومدى قوة ومتانة وتماسك العلائق والوشائج بين افراد العائلة وكذلك مدى توفر فرص العمل ومستوى البطالة ومدى توفر خيارات التحصيل الدراسي والتعليم العالي وانسيابية التنقل والسفر والهجرة وتنوع النشاطات الاقتصادية وحرية انتقال الافراد ورأس المال وتشجيع استثمار وما الى ذلك من شروط الانفتاح الاقتصادي انما يفتح افاقا واسعة للشباب لاختيار مهنهم ومستقبلهم بالشكل الذي يرضي طموحاتهم الشخصية ويوائم رغباتهم ومؤهلاتهم كما هو حاصل في الدول المتقدمة ما قد يفسر انحسار تقليد او توارث مهن الاباء كما يفسر الاستمرار في ذلك في البلدان المتخلفة او الاقل تطورا وبطبيعة الحال فان هذا الافتراض لا يلغي مظاهر الكفاءة والموهبة والنجاح لدى اي فرد يختار طائعا مهنة تطابق او تقارب مهنة ابيه كما لا تحكم ببطلان القول الشائع (الابن على سر ابيه) او (من شابه اباه فلا ظلم) او (صانع الاستاذ استاذ ونصف).. وما الخ ذلك، كما انها لا تمنع مبدعا حقيقيا من الخروج من جلباب ابيه الحرفي التقليدي او مركب الاسنان او المجبر الفني ليغدو مهندسا بارعا او طبيب اسنان حاذق او جراح كسور مقتدر او يختار مهنة اخرى مختلفة تماما يتمكن منها ويمتلك اسرارها ويبدع فيها ايما ايداع.
 

عودة إلى الصفحة الرئيسية

كافة الحقوق محفوظة لمؤسسة الثقافة والإعلام في منظمة بدر ©2007 Developed by : internetbadr@yahoo.com