|
الخوف والرجاء والزهد من خصال الإيمان
الخوف
والرجاء والزهد، ثلاث خصال إيمانية تجلب الثواب وتنجي
من العقاب، فَمَن خاف الله تعالى ترك معصيته، ومَن
رَجاه اجتهد في طاعته، ومَن زهد في الدنيا تفرغ قلبه
للآخرة وعمل لها، فكان من الذين قال الله تعالى عنهم
في كتابه العزيز: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ
عَذَابَهُ إِن عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا)
(الإسراء/57).وفي ما يلي هناك، ثلاثاً من خصال الإيمان
التي يجب على كل مسلم أن يتحلّى بها، وأن يتحراها
ويتعهد نفسه بالتدريب عليها والترقي فيها.ويستهل حديثه
مؤكداً أهمية الخصال الحَسنَة والأخلاق في حياة
المسلم، فهي باب عظيم من أبواب الخير، لأنها تحمل
المسلم على محامد الأمور وترفعه عن سفاسفها، وقد مدح
الله تعالى نبيه (صلى الله علية والة وسلم )، بقوله
سبحانه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
(القلم/4). وقد قال عليه الصلاة والسلامِّ: "أدَّبني
ربي فأحسَن تأديبي".ومن الخصال الإيمانية التي مدحها
الله تعالى الخوف والرجاء والزهد، ونبدأ بالخوف
والرجاء، فالخوف من الله تعالى أمر حسن يحمل العبد على
الالتزام والاستقامة، ويعينه على الاستمرار فيهما،
ويحثّه على القيام بحق الله تعالى وحقوق خلقه، ولكن
الأفضل أن يتقلّب العبد بين الخوف والرجاء، وأن يرجح
جانب الخوف في زمن شبابه والرجاء في آخر حياته، لأنه
الأفضل وفيه كمال افتقار العبد إلى رحمة الله تعالى.
بين
الخوف والرجاء
وقد جاء
عن أنس رضي الله عنه أنه قال: دخل النبي (ص) على شاب
وهو في الموت، فقال :"كيف تجدك؟". قال: أرجوَ الله يا
رسول الله . وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول الله (ص) :"لا
يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله
ما يرجو وأمّنه مما يخاف.
ولكن إذا
زاد الشيء على حده ينقلبُ إلى ضده، فينبغي على المؤمن
أن يساوي بين حالتيه، فإذا غلب الخوف عليه خوفاً يصده
عن العمل في هذه الحياة فليلطفه بالرجاء، وإذا غلب
الرجاء، بحيث يحمله على انتهاك حرمات الله فليلطفه
بالخوف من الله، ليرده إلى جادة التقوى والاستقامة.
وقال ابن
حجر في شرحه في باب الرجاء مع الخوف: أي استحباب ذلك،
فلا يقطع النظر في الرجاء عنَ الخوف، ولا في الخوف عن
الرجاء، لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى
القنوط. وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن مَن
وقع منه تقصير فليُحسن ظنّه بالله ويرجو أن يمحو عنه
ذنبه، وكذا مَن وقعت منه طاعة يرجو قبولها، وأما من
انهمَك في المعصية راجياً عدم المؤاخذة بغير ندم ولا
إقلاع فهذا في غرور.وما أحسن قول الجيزي: من علامة
السعادة أن تَطيع، وتخاف أن لا تقبل. ومن علامة الشقاء
أن تَعصي، وترجو أن تنجو.
- الزهد
مقام أهل اليقين:
ونحنُ
مازلنا نتكلم عن الأخلاق الإسلامية، التي ينبغي أن
يتحلَّى بها المسلم ومنها الزهد. حيث يؤكد الواعظ
والمفتي عبدالرحمن عمورة، أنَّ الزهد في الدنيا مقام
شريف من مقامات أهل اليقين. والزهد عبارة عن ترك
المباحات التي هي حظ النفس. ولا يبعد أن يقدر على ترك
بعض المباحات دون بعض، كما لا يبعد ذلك في المحظورات،
والمقتصر على ترك المحضورات لا يُسمَّى زاهداً، وإن
كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه، ولكن العادة جرت
على تخصيص هذا الاسم بترك المباحات، فإذن الزهد عبارة
عن انصراف رغبة العبد عن الدنيا عُدولاً إلى الآخرة،
أو عن غير الله تعالى عدولاً إلى الله تعالى وهي
الدرجة العليَا من درجات الزهد.
وكل مَن
باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا، وكل مَن باع
الآخرة بالدنيا فهو أيضاً زاهد ولكن في الآخرة، ولكن
العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بِمَن يزهد في الدنيا.
وكما يُشترط لتحقق معنَى الزهد في المرغوب عنه أن يكون
مقدوراً عليه، فإنّ ترك ما لا يقدر عليه محال، وبالترك
يَتبيَّن زوال الرغبة.
وليس من
الزهد الترك بالكليِّة وإنما يُراد أن يكون العبد
مُعرضاً عن الدنيا بقلبه راغباً في ما عند الله عزوجل،
وعلى هذا لا يعني الزهد الترك بالكلِّية، ولن نجد
أحداً من الناس وإلا وقد أمسك من الدنيا على قدر
حاجته، لكن هذا لا يعني أن نقول لست زاهداً، لأن
الزَّاهد هو مَن سّعّى في الدنيا وأمسك حاجته منها
بمقتضَى العلم، وأنفقها بمقتضى العلم، فهذا هو الزاهد.
والزهد
ثلاث مراتب:
الأول،
زهد خاصة من المحسنين: وهو كما قال حجة الإسلام أبو
حامد الغزالي، رحمة الله، في إحيائه: "والذي يرغب عن
كل ما سوى الله تعالى، حتى الفراديس، ولا يحب إلا الله
تعالى فهو الزاهد المطلق."
|