|
السيد محمد سعيد الحبوبي
ولد أديباً وعاش عالماً و رحل مجاهداً
بلاد
الرافدين... هذه الرقعة الطيبة والمباركة من العالم
والتي منحها الله سبحانه و تعالى الكثير من الهبات و
العطايا الجزيلة، فهي مهبط الوحي ومنبع الثقافة
والرسالة والحرية والتي شهدت ولادة العديد من فطاحل
العلم و الادب و الفقه والجهاد ضد الطغاة وهم الرافد
من ذلك النبع الصافي، فخصت النجف الاشرف التي لازالت
الارض المعطاء و البحر الزاخر التي انجبت الكثير من
لعباقرة والمجاهدين الذين ملاؤا الدنيا وشغلوا الناس
وخلدهم التاريخ.
ومن هؤلاء الذين حفروا اسمائهم في ذاكرة التاريخ و
الاجيال بنور من ذهب هو العلامة المجاهد و الفقيه
اللاذع و الاديب البارع السيد محمد سعيد الحبوبي
الحسيني (رحمه الله)
ولادته و نشأته:-
ولد المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي (رحمه الله) في
محافظة النجف الاشرف و في حي من أقدم أحياءها التراثية
آلا و هو منطقة حي الحويش في الرابع عشر من جمادي
الثانية سنة (1266 هـ) / 20 شباط (1849) م حيث امضى
طفولته تحت رعاية والده حتى بلغ سن الرشد ، وبدأ بتعلم
القراءة و الكتابة و الخط و علوم القران الكريم على
عادة اهل زمانه فقرأه و حفظه و كان والده يشرف على
تعليمه فلما بلغ السنه العاشرة من عمره انصرف يدرس
مبادئ الادب و علوم اللغة العربية (النحو و الصرف
والبلاغة) و مقدماتها علي يد خاله الشيخ عباس الاعسم و
قبل ان يبلغ الخامسة عشرة من عمره هاجر و ابوه وعمه
الى حائل بقصد المتاجرة شأنهما في ذلك شأن كثير من
الاسر النجفية التي تمتهن التجارة وانصرف للعمل مع
ابيه و عمه وكان مولع بحب ركوب الخيل وتعلم فنون
الفروسية ويمارسها وقت فراغه وبقي في حائل ثلاث سنوات
حيث لم ينقطع عن الدراسة فكان يقراء الادب والفقه و
المنطق و الحكمة الاسلامية وهو دون العشرين من
العمر...
دراساته و مؤلفاته:-
اقبل على الاندية الادبية و المجالس الثقافية بعد
عودته الى النجف الاشرف التي كانت يومئذ في اوج
ازدهارها الادبي و العلمي والتي تعتبر ملتقى الشعراء
والعلماء كما كانت تقام مواسم تعرض فيها بنات الافكار
فأستمع الى شيوخ الادب و اللغة والنقد وكبار الشعراء
فأعجب بهم و تأثر بطرقهم و اساليبهم ثم ما لبث ان
شاركهم بنظم الشعر حتى جاء فيه باروعه واعذبه وارقه
بشهادة النقاد انفسهم وعدّ في مقدمة شعراء العراق في
القرن التاسع عشر و عاصر الحبوبي جملة كبيرة من
الشعراء في النجف و الحلة وبغداد و كربلاء والكاظمية
وكانت تجمعه بهم مجالس ادبية في العقود الاولى من
حياته ثم انقطع الى دراسة الفقه و الاصول على يد كبار
علماء عصره دراسة امعان وانتباه وقرأ اشهر المؤلفات
فيها وقد دل على ذلك تفوقه على اقرانه من التلاميذ من
خلال جدله ونقاشه في حلقات الدرس مما لفت اليه انظار
اساتذته الفقهاء اعجاباً به ولم يختص السيد الحبوبي
باستاذ واحد وانما تتلمذ على يد جملة من كبار الفقهاء
و المدرسين من امثال فقيه الاماميه في زمانه الشيخ
محمد حسين الكاظمي المتوفى سنة (1890م) و كذلك مدرس
الفقه الشيخ محمد الشرابياني المتوفى سنة (1904م) و
فقيه عصره الشيخ رضا الهمداني المتوفى سنة (1904م) و
الشيخ موسى شرارة و الفقيه الكبير السيد مهدي الحكيم
المتوفى سنة (1894م) اما اكثر الاساتذة الذين استمر
السيد الحبوبي (رحمه الله) معه ولم ينقطع عنه هو الشيخ
محمد طه نجف احد كبار الفقهاء حيث لازمه سنين امتدت من
عهد شاعريته حتى وفاة الشيخ عام (1905م) وعلى يده نضج
اديبنا الكبير في الفقه وهو بعد في شبابه و كان معجباً
بأستاذه هذا وبطريقته في التدريس التي زودته بثقافة
دينية قويمة واهلته بان يتصدر حلقات التدريس و لم يمض
وقت طويل حتى عد واحد من كبار فقهاء عصره ومجتهديه
المجديين فالتف حوله طلابه ينهلون من علمه الغزير و
فضله الكثير و في مقدمتهم السيد محسن الحكيم (قده).
جهاده ونضاله:-
في ابان الحرب العالمية الأولى عام (1914م) انتفض
السيد الحبوبي (رحمه الله) انتفاضته الشهيرة للدفاع عن
حياض الوطن والدين عندما تعرض للتهديد من قبل الغزاة
الانكليز حيث اصدر بيان الثورة الاول و بعد التشاور مع
ابرز علماء الدين في مدينة النجف الاشرف و قرأ البيان
امام عشرات الالوف من ابناء المدينة ووصل البيان الى
كافة ارجاء الوطن وسار المجاهدين الى الكوفة حيث
اقلتهم السفن الى السماوة و كان يمر في المدن الفراتية
داعياً الناس للجهاد ومحاربة الغزاة حتى بلغ عدد
المجاهدين في موقع (النخيله) اكثر من اربعين الف مجاهد
وفي (7 ربيع الثاني 1333هـ) و صل الى النجف الاشرف
(600) فارس من مجاهدين الاكراد للالتحاق بالمجاهدين
حيث فتح المجاهدون جبهتين حربيتين و خاضوا مع الانكليز
اقوى المعارك وقدموا خسائر كبيرة في الارواح والاعتدة
والاموال و عندها انسحب المجاهدون كل الى موطنه بسبب
نقص المؤونة والذخيرة فكانت الهزيمة فاجعة للسيد
الحبوبي حيث انعكست عليه اثار الهزيمة واجهدته المعركة
وهو شيخ يدنو من السبعين سنة و في طريق العودة الى
الناصرية اشتد عليه المرض حتى الزمه الفراش.
وفاته و دفنه:-
في (15/6/1915) م توفي السيد محمد سعيد الحبوبي عن عمر
بلغ السابع والستين عاماً حيث قضى ثلثه الاول تلميذاً
يدرس مقدمات العلوم العقلية والنقلية وثلثها الثاني
شاعراً كبيراً و ثلثه الاخير فقيهاً كبيراً ثم ختم
حياته مناضلاً في سبيل العقيدة والمبدأ و نقل جثمانه
الى النجف الاشرف ودفن في احد مقابر (اواوين) الصحن
الحيدري الشريف و الذي يعرف اليوم بأسمه (مقبرة
الحبوبي ).
رحم الله تعالى السيد الحبوبي يوم ولد و يوم رحل الى
جوار ربه ويوم يبعث حيا.
|